في منتصف الليل، حدثَ ما لم يكن في الحسبان، فقد هرب والدي من عروسه، وجاءني يلهث، ويقول:
ـ أريدُ أن أنام عندكم.
ـ لماذا؟!
ـ كرهتُ هذه المرأة.
ـ هل أساءت إليك؟
ـ ...
ـ ما لك ساكتاً؟!
ـ لا أشتهي الكلام.
ـ هيَّا معي، لأصلح بينكما.
قال والدي غاضباً:
ـ لن أجتمع معها، تحت سقف واحد!
ـ لماذا؟!
اربدَّ وجهُ والدي، وأعرض عنِّي..
شعرتُ أنَّني ضايقته، فكففتُ عن الكلام، وأعددتُ له فراشاً لينام، وبتُّ مؤرَّقاً مسهَّداً، ووجهُ والدي الحزين، ماثل أمامي، يقلق نفسي، ويشغل بالي.. سامحك الله يا والدي، لماذا تزوَّجْتَ، فأتعبْتَ وتعبتَ؟!
ليتني أعلم كيف نبتتْ فكرةُ الزواج في رأسك، وأخذتْ تنمو وتترعرع، شيئاً فشيئاً، بعد مرور تسعة أعوام، على وفاة والدتي، رحمها الله.. كيف سوَّلتْ لك نفسك الزواج، وأنت شيخ كبير، تجاوزَ السبعين، ضعيف البنية، أبيض اللحية، تعرَّقَ الزمنُ عظمكَ، وحنتِ السنون ظهرك، فاستعنتَ على حملها بعكّاز، يسير معك، حيثما تسير.. ماذا أصابك؟!
كنتَ تعيش عيشة راضية، لا تشعر بوحدة أو وحشة، فقد طلبتُ إليك، إثرَ وفاة والدتي، أن تبيع دارك، وتعيش عندي، لأنَّني ابنك الوحيد، فاستجبتَ لي مسروراً، واشتريتَ بثمن الدار، دكّاَناً صغيراً، تشغل به حياتك الخاوية، وتكسبُ منه ربحاً يسيراً، أشدُّ به أزْرَ راتبي الضعيف، الذي أجنيه من التعليم..
وسارت حياتنا ـ كما تعلم ـ هادئة هانئة، لا تشوبها شائبة.. زوجتي الطيِّبة، تحوطك بالرعاية والعناية، وأطفالي الصغار، يغمرونك بالحبِّ والاحترام، وحينما تسأم منّا، تذهب إلى غرفتك الخاصة، لتنام أو تستريح، فمن زرع فكرة الزواج في رأسك، فعصفَتْ بهدوئك وصمتك، ولعبَتْ بعقلك وقلبك، فصرتَ تحفظ أسماء الأرامل، وتتسقَّطُ أخبارَ العوانس، وأنت مشفق متعطِّف، كأنَّك مسؤول عنهنَّ أمام الله، يوم يقوم الحساب..
وجاءك شيوخٌ تزوَّجوا حديثاً، وعرفوا ما يشغل بالك، فأخذوا يزيِّنون لك الزواج، ويحضّونك عليه، فنزلتْ أحاديثهم على قلبك الذابل، كقطرات الندى البارد..
لقد علمتُ ذلك، وعلمتُ أنَّك كنت تبثُّ العيون والوسطاء، في المدينة والأرياف، يتحسَّسون لك أخبار الأرامل، وأحوال المطلقات، ويعطونهنَّ عنوان دكّانك، فزارتك نساءٌ كثيرات، يتعلَّلن بالشراء، وينظرن إليك نظرة فاحصة، ثم ينصرفن عنك خائبات يائسات..
أمّا أنت، فلم تعرف اليأس، بل ظللت تطوف وتبحث، وتتشمَّم وتسأل، وتردِّد بمناسبة، وبلا مناسبة، قوْلَ أحد الصالحين (زوِّجوني فإنّي لا أحبُّ أن ألقى الله عزباً).
وكان لا بدَّ لي أن أجالسك، وأُحاورك..
ـ هل قصَّرنا في خدمتك؟
ـ لا.
ـ هل أهملتك زوجتي؟
ـ لا.
ـ إذن لماذا تريد أن تتزوَّج؟!
وأحرجك هذا السؤال، وضيَّق عليك الخناق، ولكنَّك ما لبثت أن قلت محتدّاً:
ـ إذا برز لي دُمَّل في... فهل أكشفه لك، أو لزوجتك؟ أيجوز هذا في شرع الله؟!
وظننتَ أنَّك قد أفحمتني، فرفعتُ رأسي، وقلت:
ـ منذ سبعين سنة، لم يظهر هذا الدمَّلُ، فلماذا تتوقَّعُ ظهوره الآن، وفي هذه المنطقة ذاتها؟
وضقتَ بي ذرعاً، فقلتَ مغتاظاً:
ـ سأتزوَّج مثل غيري، ولن أطلب منك قرشاً، وإذا اعترضتَ عليَّ فسوف أغضبُ عليك!
وأذعنتُ لك طائعاً، لم أعترض عليك، ولم أحرمك الفرح، في آخر عمرك القاحل، وقلت لك راضياً:
ـ افعل ما تشاء يا أبي، ولكنْ هل وجدت العروس؟!
ـ لا تشغل بالك، لقد وجدتها.
ـ وهل وافقتْ؟
ـ نعم، وافقتْ، وهي تضحك.
وخطبتُ لك مَنْ رضيتَ بها، ورضيتْ بك، غير أنَّني حينما رأيتها، أشفقتُ عليك منها، ألم ترَها؟.. إنَّها أرملة تناهز الخمسين، بادنة سمينة، يضيق البابُ عنها!
وقد بعتُ لأجلها أساور زوجتي، وبعتَ أنت بضاعة دكّانك، وجمعنا مهرَها المطلوب..
وفي ليلة الزفاف، رأيتك منهمكاً في تشذيب لحيتك، تأتيها من هنا، وتأتيها من هناك، حتى برَدْتَها برداً، ثم خرجتَ إلى الناس، بجلباب فضيّ مخطَّط، لم أرَهُ عندك قطُّ، ولم أدرِ من أين نبشتَه، وأظن أنَّك قد ارتديته يوم دخلتَ بوالدتي، قبل أن أرى النور، فحسبتك وأنت تخطر فيه، كأنَّك خارج توّاً، من متحف قصر العظم..
كان فرحك نقيّاً، كفرح طفل صغير، وكان فرحي مشوباً بالأسى، لحلول امرأة غريبة محلَّ والدتي الحبيبة، واحتفل بك أصدقاؤك الشيوخ، وأحاطوا بك، وهم يغنّون ويهزجون، فكانت أسنانهم الصناعيَّة تطقطق، وأيديهم المعروقة تصفِّق، وحينما أدخلوك على عروسك، انصرفوا وهم يتغامزون..
وفي الصباح، تحلّقنا جميعاً، حول الفطور، فرأيتُ السرور يلمع في عينيك، ففرحتُ لفرحك، وسلوتُ ما بذلت..
وفي الصباح التالي، ألفيتُ الأمر مختلفاً، فقد أبصرتك كئيباً حزيناً، تتحاشى النظرَ إلى عروسك، وتوليها ظهرك، وأنت ناكس الرأس، كأنَّك اقترفتَ ذنباً، وكانت عروسك ترمقك ساخرة، فأشفقتُ عليك منها، وسألتك عن الأمر، فصددتَ عنّي، وأطرقتَ واجماً، لا تنبس بكلمة.. ابتعدتُ عنك، وقلبي معك، وأمضيتُ نهاري، في حيرة وذهول، وفي منتصف الليل، حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد هربتَ من عروسك، وجئتني تلهث، وتقول:
ـ أريدُ أن أنام عندكم.
وهاأنت ذا نائم، وأنا ساهر يقظان، تتعاورني الهواجسُ والوساوس، أرتقب ضوء الصباح، عسى أن تُظهر لي ما تخفيه عنّي، فيهدأ بالي، وأرتاح..
وأقبل الصباح، بعد ليل طويل..
تقَّلبَ والدي في فراشه، ثم فتح عينيه، فوجدني أمامه أرنو إليه..
التفتَ يمنة، والتفتَ يسرة، لم يجد مهرباً ولا مفرّاً، فقال لي وهو يائس محزون:
ـ كان زواجي غلطة كبيرة.
ـ لماذا؟
قال وقلبه يتفطر:
ـ ما لي وللزواج، لقد ضاع عمري، وانتهيت.
بثَّ الحقيقة المرَّة، وأطرق واجماً صامتاً..
لم أرَ حزناً أفدح من حزنه، ولا صمتاً أبلغ من صمته.
حرتُ في أمري، واستغلق عليَّ الكلام!
وددتُ لو عاجلَّني الموت، قبل أن أراه على هذه الحال، فلم أتمالك أن انحنيت عليه، وطوَّقته بذراعيَّ، أقبِّله راحماً، كأمٍّ رؤوم، فسكن إلى صدري، كطفلٍ مذنبٍ يتيم..