وقفت القطة السوداء على التلة المشرفة على الوادي...
مضى يومان و هي ترمق المكان بشرود ساهم..
-" أهذا هو موطننا الجديد؟" همست فراشة رفرفت برقة حول قطتنا..
><]ٍ أشكر عزيزتي Dina عالرسمة الجميلة]ٍ><
نهضت القطة و تمطت قليلاً تحت الشمس متمتعة بأشعتها الذهبية..
-" سنستقر هنا و نرى كيف نتأقلم معهم.." اجابت قطتنا بلهجة من لا يهمها الامر لا من قريب و لا من بعيد..
-" لا يعجبني الوضع هنا... المكان فسيح و الناس كثر... سيزعجوننا.. اريد ان نعود لبيتنا." حطت الفراشة على احد البراعم في يأس.
-" لن اعود هناك أبدا.. عودي بدوني.." شرعت القطة في المسير بعزم نحو النهر الذي يشق الوادي، لبثت الفراشة وهلة في مكانها ثم حلقت لتحط على رأس قطتنا ليبدو شكلها من بعد سخيفاً ، و كأنها ربطت فروها برباط وردي.
قد يخال المراقب للقطة أنها القائد لهذة المجموعة الصغيرة لكن القائد الحقيقي هو تلك الفراشة الرقيقة المظهر.
-" اذا ازعجونا فسنرحل من هنا مباشرة." حزمت الفراشة رأيها أخيراً..
-" طبعاً..." همست القطة و هي تفكر كيف ستقابل افراد هذا الوادي.. فهي لا تعرف الا رئيسهم القط الرمادي أزرق العينين و لم يعجبها كثيراً حين التقته أول مرة، الا أنها قررت التظاهر بالشجاعة امام الفراشة الصغيرة، ازدردت ريقها و قبعت تنتظر بجانب النهر حيث بعثت له بأنها ستنتظره هناك..
مر خلق كثير و لم يعيروا مجموعتنا الصغيرة اي اهتمام، مما أثار حفيظة قطتنا فقد اعتادت ان تكون محط اهتمام الجميع فهي مدللة الكل.. او كانت كذلك في السابق. ذكرت نفسها ان هذا بالضبط كان سبب كل مشاكلها فعليها ان تكون شاكرة و ان تتعلم قليلاً من التواضع..
رفعت بصرها للقمر تتأمله حين تناها إلى سمعها همس فراشتنا الناعم:
-"لقد تأخر... كيف يجروء على تجاهلك بهذه الطريقة الوقحة؟! ألا يعلم من أنت؟! "
حدجتها قطتنا بعينيها الخضراوين بصمت... رفرفت الفراشة مبتعدة بنفاذ صبر ، فهذه ليست قطتها العزيزة التي عرفتها سابقاً، لقد غيرتها محنتها كثيراً فلم تعد تحب الحديث و تميل للصمت و نادراً ما تبتهج و تمرح.. تنهدت و دعت ربها ان تعود الأمور لسابق عهدها بسرعة.
-*-*-
-"تقبلي بالغ أسفي على تأخري، فقد كنت في مهمة دبلماسية و عدت لتوي." فاجأها الصوت الأجش الآتي من خلفها.
نهضت قطتنا بتؤدة و ردت بألطف اسلوب تستطيعه و هي تحاول كبح جماح غضبها: "لا بأس... عوداً حميداً."
-" أشكرك." اجابها باقتضاب.
حاولت الابتسام و فشلت، <<ياله من مغرور! أود لو يتعرف على مخالبي!>> ثم حاولت الامتناع عن هذا النوع من التفكير السلبي و بدأت حديثها لتدخل في صلب الموضوع : " اشك في أنك تذكرني.. انا -"
-" اعرف من أنت طبعاً! أمثالك يعرفون حتى في غير موطنهم" قاطعها بكل اريحية. و صمتت قطتنا وهلة لتعرف مقصده من هذا الكلام... و تذكرت انه من النوع اللبق في الكلام... كم تكره هذا النوع من الناس.. كم هم متصنعون... اكرههم.. اكرههم..
-" أشكرك، هذا من طيب أصلك.." همست.
رمقته و هو يتهادى في فروه نحو النهر ليستغرق في التأمل حنى ظنت انه قد نسي أنها موجودة أصلاً.
-" هل اعجبك المكان هنا؟" فاجأها صوته من جديد.
-" لقد أسست مكاناً لطيفاً يزوره الكثير ليتمتعوا بجماله." اجابت بحيادية.
-" إن أردت البقاء هنا فالمكان رحب و يسع كل الأصحاب." اعلن الرمادي هذه الحقيقة بهدوء.
-" كنت اتمنى أن أكون عنصراً فعالاً لا خاملاً هاهنا." حدقت قطتنا بظهر الهر الرمادي الذي اندمج مع بريق المياه الذي عكس فجر يوم جديد.
-" اتبعيني.. " اختفى القط بسرعة بين الخمائل، فانطلقت قطتنا مسرعة على اثره مستعينة بين الفينة و الفينة برائحته... و صلت اخيراً إلى مكان معزول و بحيرة صغيرة و جميلة.
كان الرمادي يبحلق في الماء من على جرف صخرة مرتفعة. <<لابد أنه مجنون، مالذي يعجبه في الماء؟>>
-" ها قد وصلت أخيراً! كنا ننتظرك.." همست باللعنات تصبها على رأسه البليد الذي لم يراع أن هنالك ناس من ذوي "الثقل" يتبعونه.
-" لقد تركتني خلفك!" همهمت بانزعاج.
-" تعالي و قابلي قائدتك الجديدة." ابتسم لها بانشراح و هو لا يعلم الالم الذي سببه لقطتنا الفخورة.
-" أين هي؟" نظرت حولها..
-" هنا." و اشار للماء.
-" لا أرى سوى انعكاسي.. اتحاول ان تلعب دور القرد في الاسد الملك؟"
افلتت منها ملاحظة مستهزئة قبل ان تمسكها. إلا انه اطلق ضحكة مجلجلة.
-" انها سمكة، أرجوا الا تأكليها فهي عزيزة علينا."
-" لا تقلق فأنا اتبع حمية." اجابت ببرود بعد ان آلمها تلميحه الى وزنها.
بحلقت في الماء تبحث عن هذه السمكة الأسطورية، رأتها بعين الخيال سمكة مبهرة تفيض بالحكمة ذا جسد يشغل نصف البحيرة يعكس مقدار احترام الرمادي لها.
-" انا لا ارى.." توقفت عن الكلام عين ظهرت السمكة من مخبأها.
-" انا مشغولة بمائة ألف من المشاغل.. ارجوا ان تختصروا." انساب الصوت الفخم ناعماً و رخيماً الى اذن قطتنا. فاستغرق منها الامر وهلة ان تربط بين الصوت و الشكل..
لم تصدق...
ذاك الصوت القوي و الفخم يصدر من..
من..
اصغر سمكة ذهبية رأتها في حياتها...
دهشتها فقط هي التي منعتها من الضحك... التفتت الى الرمادي كي يبرر لها ما ترى الا ان الرمادي عاد للاختفاء...
-" ليس الامر مضحكاً!" علقت الذهبية.
ابتسمت قطتنا و بدأت بالضحك... ضحك كان خلاصة كل الضغوط التي مرت بها و كل لحظات اليأس و الضياع و كل لحظات الشك التي خالجتها..
-" ليس مضحكاً!" كررت السمكة.
و مع كل اعتراض صدر من المخلوق تزايدت الضحكات بشكل هستيري..
الضحك من أغرب التصرفات، فهو معدي.. ما هي الا هنيات و تشترك سمكتنا في هذا الضحك الي خلف قطتنا منبطحة على ظهرها و قد غشى عيناها سحابة من الدموع و قد امسكت بطنها خوفاً من أن ينفجر و باتت تتلوى من ألم جنبيها بسبب ضحكها المستمر...
لم ترا السمكة أحداً قط يضحك بهذا الشكل... انه ضحك شديد يستحيل ان يكون متصنعاً كي ينال منها .. ما أضحك القطة شي اكبر من مجرد صغر حجمها... شيء أكبر من ان تعبر عنه الكلمات...
بعد فتره بدأت الضحكات تخمد و تهدأ ليعم الجو صمت غريب.. أخيراً نظرت قطتنا الى الذهبية و بكل بساطة اخبرتها ان الامر في الحقيقة مضحك.
ابتسمت السمكة : " ليس مضحكاً على الاطلاق."
-" بل هو كذلك." بادلتها القطة ابتسامتها. <<لا بأس بها كشخص لكنها لن تكون قائدتي.>>
-" هلم بنا سأعرفك على شخص اثق انكما ستنسجمان معا." دعتها السمكة كي تلحق بها عبر البحيرة.. <<اني لاعجب من هذه القطة الغريبة لكني مشغولة سأتركها لغيري و ستتعلم طريقها هنا بسرعة.>>
-" هل تعملين خاطبة هنا ايتها السمكة؟" سألت قطتنا لكن لم تكن متأكدة من ان الذهبية قد سمعتها و ناهيك ان فهمت نكتتها.
حاولت القطة ان تلحق بالذهبية بالقفز على الصخور العديدة حتى توقفت سمكتنا فجأة فجلست قطتنا تستجمع شتات نفسها المتقطع على صخرة بيضاء ناعمة..
-"تقفين عليه..." ابتسمت السمكة بمرح و هي تشاهد القطة تتخبط في الماء بعد ان تحرك ما ظنته صخرة.
انبعث من تحت الماء جسد عملاق غطى قرص الشمس مالبث ان بدأ ضحكأ مجلجلاً اثار فزع قطتنا السوداء مما زاد تخبطها في الماء.
-" اتغرقين في شبر من الماء؟" تسائل العملاق ضاحكاً.. ما هي الا لحظة و احست سودائنا أن فروها قد انقلب قرمزياً من الخجل... الماء لم يكن عميقاً على الاطلاق..
تبادل العملاق و سمكاتنا ضحكات خافته حاولا ايقافها بأسرع وقت.
تنحنحت الذهبية كي تتخلص من بقايا الضحك.
-" ليس الامر مضحكاً." ابتسمت قطتنا معترفة بأن ما حدث هو عين الاضحاك لكن ارادت مداعبة السمكة.
بروح رياضية أجابت الذهبية: " بل هو كذلك!" و بدأت سلسلة جديدة من الضحك اشترك فيها الثلاثة.
-" كنت اعلم انكما ستنسجمان معا!" اعلنت السمكة.
نظر لها العملاق: "هل تعانين من الفراغ حتى تسديه بوضيفة خاطبة؟"
انفجرت قطتنا بموجة جديدة من الضحك و من احمرار وجنتي الذهبيه ادركت انها قد سمعت تعليقها السابق مما ارسلها لنوبة شديدة من الضحك. "هذا ما قلته لها قبل قليل!"
شاركها العملاق الضحك ، فقالت سمكتنا: " مما يثبت ما قلته انكما منسجمان!" حاولت ان تداري خجلها بالغضب. "ليس الامر مضحكاً!"
-"بل هو كذلك!" اجاباها بصوت واحد اثار زوبعة اخرى من الضحك.
------ يتبع
التعديل الأخير تم بواسطة wanderer ; 28-09-2006 الساعة 03:54 PM.