انساب ذلك المكوك الفضائي الضخم بهدوء عبر الفضاء السرمدي الممتد أمامه إلى ما لانهاية.. كان قد انطلق منذ ما يقارب الأربعة أشهر فقط في رحلة بحث استكشافية عربية كانت هي الأولى من نوعها..
ولطول هذه الرحلة قرر أفرادها أن عليهم الدخول في جهاز السبات الآلي..
وهو جهاز متطور يخفض عمل أجهزة الجسم إلى أدنى مستوى ممكن ويضعهم في سبات دائم بينما يمدهم بالغذاء والطاقة اللازمة عبر أجهزة وأسلاك رفيعة موصلة برؤوسهم..
ويستمر المكوك في رحلته كما تمت برمجته سابقاً..وكل شيء هنا يتحكم فيه الكمبيوتر (ألفا)
ذلك الذي أطلق عليه أحد العلماء اسم (العقل الآلي فائق الذكاء ) نظراً لارتفاع مستوى ذكائه ومن هذا الاسم جاء اختصار: (ألفا)
كان في المقصورة الرئيسة خمسة أفراد فقط ، وهم مدربون لمواجهة جميع الأخطار التي يمكن أن تحدث رغم صغر سن بعضهم..
ولكنهم خاضوا التجارب عبر أجهزة الفيديو الافتراضية..ونجحوا فيها بامتياز..ولذلك تم اختيارهم..
وفجأة وفي مقصورتهم تلك أضاء لون أحمر بكلمة واحدة ..
....(خطر)....
راحت تلك الكلمة تومض على الشاشة..وكان على (ألفا) أن يتصرف ولكن المشكلة هي أن ما يواجهه هذه المرة لم يكن ضمن معلوماته أبداً..
لقد كانت هناك مركبة آلية متجهة نحوهم....هذا ما لم يكن بالحسبان...
غرباء...
يجب على (ألفا) في هذه الحالة إيقاظ أحدهم...
لقد اختارها...
إنها (سماح)...لقد كانت أصغرهم سناً..تبلغ الثامنة عشر فقط.
ألم وصداع عنيف هاجمها عندما تحركت لأول مرة وقامت من سريرها ، ثم زال كل ذلك بسرعة وسألت (ألفا):
ماذا هناك؟! لماذا أيقظتني؟
أجابها صوت آلي :
هناك أعداء...خطر على المركبة..
تنبهت حواسها كلها مرة واحدة...:
ماذا تقول؟!! أين هم الآن؟؟
أجابها الصوت الآلي المميز مرة أخرى:
حوالي تسع دقائق ونصف...بعدها سنكون في مواجهتهم تماماً
بدت كالحائرة التي تلقت صدمة لتوها...صحيح أنها كانت مدربة..ولكن ماذا ستفعل الآن؟
لماذا اختارها (ألفا) من بين كل الموجودين هنا؟
إنها أصغرهم سناً
"حسناً أفصل النظام الآلي عن المقصورة الثانوية حتى أستطيع العمل"
لم يجبها (ألفا) هذه المرة..فقط انطفأت لمبة صغيرة
تحركت (سماح) نحو تلك الأجهزة وراحت أصابعها تتحرك بسرعة على لوحات المفاتيح وراحت تلتقط صوراً عديدة للمركبة المجهولة القادمة..
هتفت:
يا إلهي!! إنها مسلحة..
ما الذي ستفعله الآن؟؟ هل توقظ البقية؟
كلا...ليس هنالك وقت لذلك...
إذاً ما الذي يجب أن تفعله؟؟
هل تشغل الدفاعات الآلية وتشعل الحرب؟؟
ماذا لو كان الخصم أقوى ومتطوراً جداً؟؟
كيف ستواجهه؟
ولماذا؟؟....لماذا قد اختارها (ألفا) من بين كل الموجودين هنا؟
هناك (سامر) كبيرهم وهناك (أميرة) صديقتها..
لماذا؟ هي بالذات؟؟!
وعلى الفور تحركت....
لم يبقى هناك الكثير من الوقت..
إما أن تفوز أو تموت..هذا ما قالته لنفسها..
ووضعت أجهزة الصواريخ على استعداد..وتم تشغيلها وتجهيزها للانطلاق
ثلاث دقائق..والزمن يمر
المركبة الغريبة تقترب بسرعة أكبر...بدا وأنها كانت قد علمت بما سيحصل..هي أيضاً مسلحة آلياً...
دقيقتان..و(سماح) في صراع مع الزمن..
"ولكن مهلاً" قالت (سماح) لنفسها
"لماذا بنيت على أن هذه المركبة ستقاتل أو أن هؤلاء الغرباء أعداء لي؟"
"ماذا لو أنهم مسالمون مثلنا؟"
وضعوا أسلحتهم في طور التنفيذ لكي يتخذوا الحيطة مثلما فعلت أنا تماماً..
نعم هذا ممكن...لماذا نعتبر الغرباء أعداء لنا دائماً؟
راح الصراع الداخلي يدور في رأسها..
الوقت ينقضي بسرعة..
يجب عليها أن تتصرف....لقد اتخذت قرارها..
دقيقة واحدة متبقية..
و(سماح) تخفي كل الأسلحة وتبقيها قيد الاستعداد فقط ..
أصبحت المركبة الغريبة الآن على مرأى واضح منها وبدأت تقترب..
وقلب (سماح) يخفق بشدة..لقد قررت التجربة وفعلت..لن تبدأ بشيء ما لم يفعلوا وهاهي أخفت الأسلحة..
40 ثانية...والمركبة قد بدأ حجمها يزداد وأسلحتها مازالت مشهرة..وموصبة..
30 ثانية..على نقطة الالتقاء و(سماح) تتابع بعينيها ... لن تضرب..هم طيبون مثلنا..ليس كل غريب عدو..هذا ما كانت تقوله لنفسها مع أن شكل المركبة لا يطمئن أبداً
20 ..
10..
5 ..
وحانت لحظة اللقاء..
نقطة المواجهة...ثانية واحدة...والتقت المركبتان...كانتا تحتاجا لعشر ثوانٍ على الأقل لكي تنتهي نقطة اللقاء هذه ..
كانت (سماح) ترتجف من الخوف..هل سيضربون وراحت تنظر من خلال النافذة إلى المركبة..مستمعةً إلى دقات قلبها..ولكن
سار كل شيء بسلام...
انتهت نقطة المواجهة..وذهبت كل مركبة في حال سبيلها..
الآن عرفت لما اختارها (ألفا)..واعترفت بذكائه الآلي أخيراً بعد أن كانت تمقت الآلات..نعم..هي مفيدة بعض الأحيان..ولكنها لا تساوي العقل البشري أبداً
وضغطت زراً أعاد النظام الآلي وعاد معه صوت (ألفا) يقول:
مرحباً الرحلة رقم: 423 مكوك الفضاء :ابن سينا
قالت له (سماح):
شكراً لك يا (ألفا)...أعدني إلى سباتي الآن...
أجاب (ألفا):
سيتم التنفيذ..استرخي في سريرك فقط...وضعي الخوذة على رأسك.
وما هي إلا ثواني..حتى عادت إلى سباتها العميق مسرورة لأن (ألفا) اختارها هي..ولأنها تصرفت بالطريقة الصحيحة..
لذلك يجب علينا أن لا نأخذ الأمور بتسرع دائماً
وأن نفكر دائماً بالطرف الآخر..وبما يمكن أن يدور في ذهنه..
فماذا لو فهم الجميع بعضهم؟....وعاشوا في سلام؟
تحياتي:
Dark's Wolf
(تمت بحمد الله)