لم هذا الفراغ يحاصره؟ من الداخل قبل الخارج.. لم لا يرى ولا يسمع صوته؟.. لم لا تترك خطواته أي أثر؟..
قد اختصرت مشاعره حتى اقتصرت على الملل..
لا يفارقه, لا يستبدله, لا يمله.. لا يمل الملل..
-----
"عبدالرحمن!" صاحت فجر بتوتر "عد إلى هنا!!"
كشفت تكشيرة عبدالرحمن عن أسنان امتزج الدائم منها باللبني " لا تكوني جبانة!"
"سأخبر أمي!" عضت على شفتها بأسنان لبنية صغيرة "والله!"
هز ذو السبعة أعوام رأسه باستياء "لم أعلم أنك واشية."
"لست كذلك!!" كانت إهانة كبيرة لفتاة في الخامسة من عمرها "لكنك لا تستمع لي"
"لماذا أستمع لجبانة؟"
"لست جبانة!!"
"إذاً تعالي إلى هنا!"
كان واقفاً أمام البيت المهجور, كل أبناء عمه يخشون دخوله, لكنه أشجع منهم..
حتى أخوه الكبير يخاف, لكن ليس هو..
"عبدالرحمن!!" عادت لمناداته دون أن تترك بقعتها
"كفي عن إزعاجي أو ارحلي أيتها الطفلة!" صاح دون أن يلتفت إليها وهو يخطو أقرب وأقرب إلى المنزل..
"لن أرحل!" عقدت ذراعيها و حاجبيها في آن واحد و تربعت على الأرض, اختارت الصمت لا الرحيل.
لم يهتم بها.. ما يهم الآن هو أن يدخل ذلك المنزل و يأخذ منه ما يثبت أنه دخله..
من يدري؟ قد يجعله أبناء عمه ملك الحوش, عندها سيأمر أولاد وبنات أعمامه ألا يدرسوا, بل أن يلعبوا بالدراجات طوال اليوم.
وضع قدمه على أول درجة من السلم, سمع ضربات قلبه وكأنه يخفق في رأسه..
شيء واحد فقط.. غرض واحد..
صعد الدرجات المتبقية غير مبال بفجر التي عادت لمناداته بصوت مرتجف..
ما أن لامست أصابعه قبضة الباب حتى اهتز جسده بأكمله..
عض على لسانه, فتح الباب و دخل.
سكون يعم المكان.. ضوء يجاهد للدخول عبر نوافذ غطى الغبار ما لم يهشم منها..
دخلت معه هبة ريح أثارت الغبار المتراكم, أخذ يكح بشده.. كم يكره الربو..
أخرج البخاخ و استنشق منه ما يملاً جوفه.. أعاده لجيبه و أخذ يتمشي..
لولا الظلام المتجمع في بعض الزوايا, لقال أن المنزل غير مخيف البتة..
وقع نظره على مرآة يد فضية.. ممتاز!
أسرع اليها والتقطها.. نظر فيها لتسقط من يده مهشمة زجاجها.. لقد رأى انعكاس أحد.
التفت بسرعة و قلبه الصغير يسابق أفكاره..
ما كان هذا؟
"من هناك؟!" صاح وهو يضع كل شجاعته في صوته "أنا لست خائفاً منك!" عض على لسانه بتوتر..
لم يجبه أحد.. أيعقل أنه يتخيل؟ ولكن..
"أيمكنك رؤيتي؟" جعله الصوت القادم من خلفه يقفز من مكانه ملتفاً لمصدره..
كان رجلاً.. في عمر أصغر خال لديه.. لكنه لم يكن مثله.. كان غريباً.. تلفه هالة فضية.. لا حياة في وجهه..
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!" قال وهو ينظر للرجل بتحد "أنا أحفظ المعوذات!!"
"أنا أحفظ البقرة." رد عليه الرجل الفضي وهو يرفع حاجبه "ما المشكلة؟"
"أنت لست جنيا؟" سأل الصبي بتوتر
"أأبدو لك كواحد؟"
"ما أدراني؟ لم أر الجن قبلاً." قال وكأنه يشرح أمراً تافهاً لفجر.
"إجابة موفقة." غمغم بصوت خافت "أنا إنسان.. كنت.. أنا ميت الآن.. على ما أظن.." توقع أن يرى التعجب على وجه الصبي, أن يسأله عن ماهية الموت لكنه اكتفى بهز رأسه بتفهم و إلقاء سؤال آخر.
"لماذا أنت فضي؟"
"لا أدري.. والله لا أدري.." انخفض الرجل حتى بدا جالساً, للتو فقط لاحظ عبدالرحمن أن رجليه لم تكونا تلامسان الأرض.
"ألديك أطفال؟" خرج السؤال عفوياً.. كم افتقد هذه العفوية..
"كان لدي.. لكنهم رحلوا.." ابتسم لعفويته, بيد أن ابتسامته لم تكن اعتيادية.. كانت ابتسامة بحاجة لابتسامة..
"مسافرون؟" تربع عبدالرحمن على الأرض والاهتمام باد على وجهه.
أطلق الرجل ضحكة خافتة قبل أن يجيبه بتأن "يمكنك أن تقول ذلك.. سافروا ليلقوا ربهم."
"لمَ لم يأخذوك معهم؟" لم يفهم كيف يمكنهم أن يتركوا أباهم وحيداً في بيت مليء بالغبار.. ألا يخشون عليه من المرض؟
"هذا سؤال وجيه.. وددت لو أستطيع أن أسألهم إياه بنفسي.." أشاح بنظره عن الصبي و سرح يحدق بالمرآة المهشمة.. حطامها يعكس الصبي و لا يعكسه..
يكاد يسمع صدى ضحكاتهم.. كانوا هم دنياه بعد فقدانه لزوجته.. كان يرى في كل واحد منهم جزءاً منها.. عيناها, ابتسامتها.. روحها النقية..
لكنهم فضلوا صحبتها على صحبته.. لا يمكنه لومهم.. هو نفسه يفضل صحبتها على صحبة نفسه..
لكن الموت أخذهم دفعة واحدة.. هو يؤمن بقضاء الله و قدره.. لكن الإنسان ينسى فيسخط فتحل به العقوبة..
الآن حرم صحبتها, صحبتهم و صحبة العالم أجمع..
"ما اسمك؟" جاءه السؤال بغتة.. تلعثم.. لم يدر ما يقول..
"لا.. لا أدري.." الآن فقط أدرك أنه نسي اسمه..
أطرق الصبي قليلاً ثم رفع رأسه وقال بصوت واضح "سأسميك عبدالرحمن 2"
"حسناً.." يا للأطفال..
"علي الذهاب الآن" نهض ونفض الغبار عن ثيابه "ستقلق أمي إن تأخرت" تنهد و أكمل "كما أن فجر لا تزال تنتظرني في الخارج"
"ستعود؟" وجد نفسه يسأل وفي لهجته شيء من اللهفة.. شعور جديد..
"بالطبع!" أجاب بنبرة ملؤها الاستهجان للسؤال, وكأن المسألة مكتوبة في الصحف الأولى..
"رافقتك السلامة" نهض هو الآخر لكنه لم ينفض الغبار.. أي غبار يمكن أن يعلق بشبح؟
خرج عبدالرحمن ليفاجأ بالدموع تنهمر من عيني فجر التي أخذت تشهق و تلقي بكلمات متفرقة قطعتها الأنفاس الباكية" يا غبي! مغفل! قلت.. لا .. تدخل" عادت الدموع تنهمر أكثر و كأنها لم تتوقع أن يخرج و رأسه على كتفيه.
"كفي عن البكاء."أمسك بيدها وساعدها على النهوض..
كان يعلم أن الموقف لا يحتمل أن يهينها أو يسخر منها.. ربما لاحقاً..
بدأ يسير معها باتجاه منزلهم و يسلي عنها بإخبارها ما جرى داخل المنزل المهجور.. لم تصدقه في بادئ الأمر لكنها سرعان ما أخذت تذكره بضرورة إخبار أبناء عمه عن هذه المغامرة التي – رغم عدم موافقتها عليها في البداية – ستجعله أشجع ولد بينهم!
"إذا تكلمت مع الجني؟" قالت وهي تمسح آخر آثار الدموع.
"لا ليس جنياً!" لمَ يصعب عليها الفهم؟ "لقد كان إنساناً في السابق, لكنه مات وأصبح هكذا!"
"لماذا لم يذهب للجنة إذاً؟" أمالت رأسها بحيرة "بابا عبدالله ذهب."
"حالته مختلفة." كان ذلك كل ما قاله.. لم يمتلك إجابة أخرى..
لم يصدقه أي من أبناء عمه, حتى فهد الصغير..
لكنه لم يهتم بذلك كثيراً.. لقد أصبح لديه صديق جديد.. صديق كبير!!
------
"ستذهب إليه اليوم أيضاً؟" وضعت فجر رأسها بين قبضتيها الصغيرتين, و وراءها أخذت أختها تجري خلف أخيها الكبير تأمره بإعادة مشطها لها.
"أجل" أجاب وهو يربط خيط حذائه, عملية دقيقة لا تزال فجر لا تعرف إليها سبيلاً..
"لا تنس أن ماما قالت أن عليك العودة مبكراً اليوم." اعتدلت لتعطي مساحة لأخيها –ذو المشط- ليقفز من أمامها و ضحكاته تختلط بصياح أخته – صاحبة المشط-
نهض عبدالرحمن من مكانه ليتلقى المشط الطائر, يجري به قليلاً ثم يلقي به إلى أخيه مجدداً "شكراً!" تلقاه الأخير متفادياً السقوط على أخته الصغرى "لا عليك!"
توجه لمكان تجمع الدراجات و صعد على دراجته, لا حاجة للمشي إن لم تكن فجر قادمة معه..
أصبح يشاهد الأخبار مع والديه الذين كانا يستعجبان منه في بادئ الأمر متبادلين للنظرات الضاحكة, لكنهما اعتادا وجوده بعد بضعة أيام..
كان يشاهدها لينقلها لعبدالرحمن2, فلسبب ما, كان الأخير عالقاً في ذلك المنزل, لا يستطيع الخروج منه..
لعله مريض.. ولذلك لونه فضي.. أيمرض الأموات؟
-----
"عبدالرحمن2؟" صاح حينما دخل, تعلم أن يغلق الباب خلفه بسرعة كيلا يثير الغبار
"تعال إلى الطابق العلوي" جاءته الإجابة من كافة أنحاء المنزل
صعد الدرج الذي أطلق صريراً مع كل خطوة يخطوها..
"أول غرفة على يدك اليمين"
تبع عبدالرحمن الإرشادات حتى وصل لغرفة نوم كبيرة قد وقف – مرتفعاً عن الأرض قليلاً – عبدالرحمن2 في وسطها.
"خذ هذه" أشار لدمية بلاستيكية لم يستطع عبدالرحمن أن يتبين ملامحها تحت الغبار, ما أن القطها و مسح عنها الغبار بيده الصغيرة حتى اتسعت عيناه وصاح ببهجة غامرة "الرجل الحديدي!!"
ظهرت ابتسامة جديدة على وجه عبدالرحمن2, لم تكن تشبه سابقتها.. كانت حقيقية.. كانت بالفعل ابتسامة!
"حينما قلت لي أنك تحبه, أخذت أحاول تذكره, وتذكرت أن أصغر أبنائي, أحمد, كان شغوفاً به." اتسعت ابتسامته وهو يراقب وجه الصبي السعيد, وجهه أنار الغرفة أكثر من شبه النافذة الموجودة فيها.
"تذكرت الرجل الحديدي ولا تزال ناسياً اسمك؟" سأله بحيرة الأطفال.
بهت قليلاً.. لكنه تمالك نفسه و تمكن من جمع ابتسامة أخرى على وجهه "أرأيت؟ دنيا عجيبة!" كم يستمتع بصحبته.. لا يمكنك توقع ما سيخرج من فمه الصغير.
ضحك عبدالرحمن و أعاد انتباهه لتحريك دميته مانحاً إياها من المؤثرات الصوتية ما يرشحه لجائزة أوسكار.
"عليك أن ترحل" قال الرجل فجأة "الآن.. أخرج!"
رفع الصبي ناظريه بقلق ممزوج ببعض الخوف "ماذا فعلت؟"
"لا شيء... فقط ارحل" لديه شعور سيء.. سيء جداً.. بنفس سوء ذلك اليوم.. ذلك اليوم المشؤوم..
نهض الصبي و بخطوات متعثرة توجه للدرج, حينما انهارت الأرض من تحته.
أطلق صرخة انحبست في حلقه حينما لامس جسده الصغير شيئاً بارداً.. لم تكن الأرض من استقبله..
بل عبدالرحمن2.
أنزله و هما يتبادلان نظرات مرتجفة.. لا يزالان مرعوبين..
"أأنت على ما يرام؟" سأل الرجل الصبي وهو يقوم بعملية تشبه.. التنفس.. أهو التعود؟
أجابه بإيماءة سريعة.. لم يستعد قدرته على النطق بعد حتى اتسعت عيناه مجدداً و رفع إصبعاً أشار به للرجل..
أنزل الرجل بصره لينظر محل إشارته.. كان نور يظهر من صدره.. و صوت كالنبض يملأ أذنيه..
للمرة الأولى منذ سنوات.. استنشق هواءً مليئاً بالغبار.. وما أحلاه من غبار..
استعاد الإحساس بكل أطرافه دفعة واحدة.. شعر بالثقل..
لامست قدماه الأرض ليسقط عليها.. كم اشتاق لملمسها الصلب!
"عبدالرحمن2؟" اقترب الصبي منه بتوجم..
نهض الرجل من سقطته و أخذ يرمش مرة تلو الأخرى.. لا يصدق أنه يحس بجفونه تلامس عينيه مجدداً!!
"أنا حي!!" صاح وهو يقفز قبل أن يفقد توازنه و يسقط مجدداً.
تطلب الأمر بضع ثوان ليستوعب عبدالرحمن الخبر..
"حقاً؟!" أخذ يقفز في مكانه و ضحكاته المبتهجة تملاً المكان مختلطة بضحكات الرجل.. الحي..
"فلنخرج" أمسك الصبي بيد الرجل و أخذ يجره والأخير يتبعه بخطوات غير متوازنة..
"كم اشتقت للشمس.." هتف و الصبي يطأ أولى الدرجات حينما تفتتت يده متحولة لغبار..
بحركة تلقائية توقف, لا يزال داخل المنزل لكن الجزء الذي خرج منه أصبح كالرفات..
التفت الصبي بعد أن شعر بفقدان يد الرجل ليجده لا يزال داخل المنزل و ذراعه التي كان ممسكاً بها تقبع خلفه.
"هياً, كف عن التصرف كالأطفال!" حرك يده داعياً إياه للخروج
إذاً لا يزال معاقباً.. لكنه الآن يمتلك الخيار لإنهاء عقوبته و الرحيل عن هذا المنزل الذي سجنه كل هذه السنوات..
"عبدالرحمن.. استدر من فضلك." قال جملته هذه بهدوء لم يعهده في نفسه.
حاول الصبي الاستفسار لكن الأوامر جاءته قاطعة.
التفت مولياً الرجل ظهره "أتغير ملابسك؟" قال بلهجة عابثة.
ابتسم الرجل لحس الصبي الفكاهي.. سيشتاق إليه..
"أريدك أن تعرف أنني استمتعت بصحبتك في الأسابيع الفائتة و بأنني حتى وإن رحلت, فسأظل أذكرك بالخير.. عبدالرحمن, لقد أعطيتني من حياتك ما يوازي ما عشته أضعافاً مضاعفة." نظر إلى يده التي تلاشت و أغمض عينيه "لذلك ومن أعمق أعماق قلبي أقول.. شكراً لك." مع صدى آخر كلمة هبت ريح بددت ما كان لبضع دقائق جسد عبدالرحمن2.. لكن حبيبات غباره لم تجعل عبدالرحمن يكح..
جعلته يلتفت وألف سؤال يدور في خلده..
شعر أنه يفهم أمراً ما زال لا يفهمه..
لسبب يجهله, سقطت دمعة على دمية الرجل الحديدي القابعة في قبضته..
ابتسم وهو يمسح دمعته الوحيدة ويركب دراجته واضعاً الرجل الحديدي في السلة..
بنظرة أخيرة لمنزل عبدالرحمن2.. غادر الصبي المكان.
----
النهاية
الفائدة(أجل توجد>_>): قد تأتيك المساعدة من أغرب الأماكن, ومن أصغر الأشخاص.. و يأتيك الفرج ولو بعد حين.
الحوش: المقصود بها هنا أرض مشتركة بين مجموعة من الفلل.
(كان أبي و أخوته يمتلكون واحداً في أركانه خلقت ذكريات أخوتي, أبناء وبنات عمومتي باستثنائي و جيلي الذي أتى بعد انتقال الجميع لمناطق مختلفة =_=<<<hence العقدة من الحوش xD)